أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

59

نثر الدر في المحاضرات

قال : فما حملك على ذلك ؟ قالت : لا تعدم الحسناء ذاما « 1 » . والساخط ليس براض . ومع ذلك فما عدوت فيما قلت لك إن نسبتك إلى التواضع والدين ، وعدوّك إلى الخيلاء والطمع . ولئن ذاقوا وبال أمرهم لتحمدنّ عاقبة شأنك ، وليس من قال فكذب كمن حدّث وصدق . وأنت بالتجاوز جدير ، ونحن للعفو أهل ، فاستر عليّ الحرمة ، تستتمّ النعمة ، فو اللّه ما يرفعك القول ولا يضعك . وإنّ قريشا لتعلم إنّك عابدها وشجاعها ، وسنانها ولسانها ، حاط اللّه لك دنياك ، وعصم أخراك ، وألهمك شكر ما أولاك . ذكر الأصمعي عن أبان بن تغلب قال : خرجت في طلب الكلأ ، فانتهيت إلى ماء من مياه كلب ، وإذا أعرابي على ذلك الماء ومعه كتاب منشور يقرؤه عليهم ، وجعل يتوعّدهم . فقالت له أمّه وهي في خبائها ، وكانت مقعدة كبرا : ويلك ! دعني من أساطيرك . لا تحمل عقوبتك على من لم يحمل عليك ، ولا تتطاول على من لا يتطاول عليك . فإنك لا تدري ما يقرّبك إليه حوادث الدهور ، ولعلّ من صيّرك إلى هذا اليوم أن يصير غيرك إلى مثله غدا ، فينتقم منك أكثر ممّا انتقمت منه ، فاكفف عمّا أسمع منك ألم تسمع إلى قول الأوّل « 2 » : [ المنسرح ] لا تحقرنّ الفقير علّك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه وصية أعرابية قال مهدي بن أبان : قلت لولّادة العبدية - وكانت من أعقل النساء - إنّي أريد الحجّ فأوصني . قالت : أوجز فأبلغ ، أم أطيل فأحكم . فقلت : ما شئت . قالت : جد تسد ، واصبر تفز ، قلت : أيضا قالت : لا يتعدّ غضبك حلمك ، ولا هواك علمك ، وق دينك بدنياك ، وفر عرضك بعرضك ، وتفضّل تخدم ، واحلم تقدم . قلت : فمن أستعين ؟ قالت : اللّه . قلت : من الناس ؟ قالت : الجلد النشيط ، والناصح الأمين .

--> ( 1 ) انظر مجمع الأمثال 2 / 136 ، والذام : العيب . ( 2 ) البيت للأضبط بن قريع في الأغاني 18 / 68 ، والحماسة الشجرية 1 / 474 ، والدرر 2 / 164 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1151 ، والشعر والشعراء 1 / 390 ، والمعاني الكبير ص 495 ، وتاج العروس ( ركع ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( قنس ) ، ( ركع ) ، ( هون ) ، واللمع ص 278 ، ومغني اللبيب 1 / 155 .